استمر في العطاء حتى آخر لحظات حياته، وكان قد احتفل قبل فترة وجيزة من مماته بصدور ألبومه الجديد الذي طغى عليه موضوع الموت.

بنبرته الهامسة تساءل “ليونارد كوهين” في البومه الرابع عشر الأخير الذي حمل عنوان “تريده أكثر ظلمة” عن طبيعة الإنسان والله.

هو الذي لم تشبه موسيقاه أي موسيقى أخرى، فطبعت أجيالا عدة داخل كندا وفي العالم.

قلّة فقط على هذا الكوكب لم تسمع وتتفاعل مع “سوزان” و”طير على الأسلاك” و”أنا رجلك” و”هللويا” وغيرها من الاعمال التي حملت توقيعه.

وكان كوهين قد اختير ضمن قائمة “مشاهير الروك اند رول” عام 2008.

من هو ليونارد كوهين؟

ولد “ليونارد كوهين” عام 1934 في حي ويستماونت الراقي في مدينة مونتريال الواقعة في مقاطعة كيبيك الكندية لعائلة يهودية ميسورة من أصول أوروبية شرقية.

توفّي والده “ناثان كوهين” الذي كان يملك متجراً كبيراً للملابس في مونتريال عندما كان ليونارد في التاسعة من عمره.

بدأ مسيرته المهنية ككاتب وشاعر في منتصف خمسينات القرن الماضي فنشر أول أشعاره عام 1954، ثم خطّ أولى رواياته بعنوان “اللعبة المفضلة” في بداية الستينيات. 

في هذه المرحلة انتقل إلى مدينة نيويورك، ليغوص في عالم الموسيقى تأليفاً وغناء.

وكانت الموسيقى أثّرت في كوهين منذ نعومة أظافره فبدأ بعزف الغيتار في الثالثة عشرة من عمره وسرعان ما شرع بالعزف في حانات مونتريال، ثم شكل فرقة تعزف موسيقى الكاونتري حملت اسم”بكسكين بويز”.

غير أن الشعر ظل شغفه الأكبر في تلك الفترة فكان يقرأ الشعر في احدى الحانات المونتريالية ترافقه موسيقى الجاز.

تخرّج من جامعة ماكغيل عام 1955 وفي السنة التالية نشرت الجامعة أول ديوان شعري له بعنوان “دعونا نقارن الأساطير” الذي لاقى إستحساناً واسعاً.

في تلك الحقبة، توجّه كوهين لفترة وجيزة إلى جامعة كولومبيا حيث انكب على كتابة الشعر، وفي عام 1961، أصدر كتابه “علبة توابل الأرض” الذي كان بداية مرحلة نجاحه.

وكان ما جمعه من مبيعات كتابه بالإضافة الى إلإرث العائلي كافٍ لشراء منزل متواضع على جزيرة إيدرا اليونانية حيث عاش في شكل متقطع لمدة سبع سنوات.

وشكّلت هذه الفترة تجربة مثمرة أصدر خلالها عدة كتب وروايات منها اللعبة المفضلة (1963)،  زهور هتلر (1964) والخاسرون الجميلون (1966).

أدرك كوهين أن كتابة الشعر والروايات غير كافية للعيش براحة مادية، فانتقل إلى الولايات المتحدة الأميركية وإستقر في نيويورك.

وهو في البداية لم يلقَ تشجيعاً من وكلاء الأعمال في مجال الكتابة الموسيقية، إلى أن أدت “جودي كولينز” إثنتين من أغنياته “سوزان” و”دريس رهرسل راغ ” ضمن ألبومها “في حياتي” – إن ماي لايف الذي أطلقته عام 1966.

فشكّلت تلك إنطلاقة كوهين في عالم الموسيقى، وفي العام نفسه، أطلق ألبومه “أغنيات ليونارد كوهين”.

حققت أغنياته نجاحاً تلو الآخر، فبلغت الذروة بين عامي 1968 و1975.

عام 1972، أصدر كتاب شعر جديد حمّله عنوان “طاقة العبيد” وفي العام نفسه رزق بإبنه آدم من صديقته “سوزان ايلورد”، ومن بعدها بسنتين بإبنته لوركا.

في عامي 1974 و1975، قام بجولة غنائية لألبومه “نيو سكين” الذي تضمن عدداً من الأغنيات التي تصدّرت المبيعات، إلا أن النجاح لم يستمر مع إصدار ألبوميه التاليين في عامي 1975 و 1979 ففضّل الإبتعاد عن الأضواء لمدة خمس سنوات.

لكنه عاد عام 1984، وعوّض عن الوقت الذي فات مع إصدار مجموعة شعرية بعنوان “كتاب الرحمة” وألبوم “وضعيات مختلفة” الذي تضمن أشهر أغانيه على الإطلاق وهي أغنية “هللويا” التي غناها الكثيرون.

 

تمتاز كلمات أغاني كوهين بشاعرية عالية، وكذلك أغانيه المترجمة عن قصائد كتبت في الأصل بلغات أخرى، وقام هو بترجمها بنفسه.

أُطلق عليه لقب “عرّاب الحزن” تيمّناً بأشعاره وأغانيه التي شابتها نبرة حزن سوداوية واغتراب عن الذات.

ولعل ابرز أعماله التي تعكس هذه الصورة أغنية “هاك هذا الفالس” التي ترجمها عن قصيدة للشاعر الإسباني الشهير “فيديريكو غارثيا لوركا” والتي تحمل عنوان “فالس من فيينا“.

 كانت أعماله غالبا ما تتعامل مع استكشاف الدين والعزلة والحياة الجنسية والعلاقات الشخصية.  كما اشتهر كوهين بالغناء بنبرة خطابية، وبصوت رخيم يدرس المقاطع بعناية.

غاب “ليونارد كوهين” عن الساحة الفنية في التسعينيات ليتعمّق في العقيدة البوذية لدرجة انه أصبح راهبا سنة 1996.

وصرّح عند عودته من انكفائه أن الفوضى كانت تعمّ حياته وهو بايتعاده وتنسكّه استعاد القليل من الانضباط، لذا قرر العودة إلى الموسيقى.

عاد لاحقا” الى كتابة الأغاني واعتلى المسارح حول العالم وعبّر عن عودته الصاخبة بقوله ان شعوراً عارماً بعرفان بالجميل تجاه الحياة يغمره، ووصف واقع بأن يظلّ ما يفعله مطلوباً ومُرَحَّبَاً به بنوع من الحظ أو الروح الراعية أو النعمة المسبغة عليه التي تسمح بأن يظل المرء مالكاً للخلطة السرية التي تصنع أمسية لا تنسى.

تنقّل “ليونارد كوهين” بين نجاح وأخر وعاد ليصدر كتباً شعرية عديدة قبل أن ينطلق عام 2008 في جولة غنائية استمرت سنتين.

عام 2012، أصدر ألبوم بعنوان: “أفكار قديمة” فكانت عودة إلى غناء نوع الفولك واحتلت أغنياته المواقع الأولى في أوروبا وأميركا الشمالية.

إستمرت وتيرة نجاحه تصاعدياً مع صدور ألبومه “مشكلات شائعة” عام 2014 فشبهه الكثيرون بالنبيذ الذي يصبح معتّقاً وثمينلً مع مرور الاعوام.

احتفل بعيد ميلاده الثاني والثمانين بإطلاق البوم جديد قدم خلاله اغنيات لا تقل سوداوية وخيّم ظل الموت عليه كتذكير بحتمية هذا المصير.

وكان تأثر كوهين بشدة بوفاة ملهمته ورفيقة دربه “ماريان إيلين” في تموز الماضي، وهي حبيبته التي اشتهرت بفضل أغنيته “سو لونغ ماريان”.

وقد كتب حينها “اعتقد أنني سألحق بك قريبا”، مضيفا ً “اعلمي اني قريب جداً منك لدرجة انك اذا مددت يدك ستستطعين لمس يدي“.

leonard_cohen

حاز “ليونارد كوهين” على جوائز أدبية وفنية عدة، منها:

جائزة الحاكم العام الادبية للشعر باللغة الإنكليزية (وهي جائزة رفضها)

وسام كندا برتبة ضابط (1991) ومن ثم برتبة فارس (2003)

جائزة الحاكم العام للفنون المسرحية (1993)

جائزة غرامي لإنجاز العمر (2010)

جائزة مشاهير الروك آند الرول  (2008)

جائزة البوم العام  (2008)

جازة هول أوف فايم (2015)

 

كافة الحقوق محفوظة لإذاعة الشرق الأوسط في كندا
SuperMarché PA

Send this to friend