برز اسم “فيولا ايرين ديسموند” عام 1946 حين أصبحت أول سيدة من العرق الأسود تجلس في مقاعد خصصت لأبناء العرق الأبيض داخل صالة سينما في مقاطعة نوفا سكوشا الكندية، فشكّلت شجاعتها في مواجهة التمييز العنصري قدوة للأجيال التي تلت، أكان على صعيد المقاطعة وعلى امتداد مساحة البلاد.

وعاد وبرز اسم “فيولا ديسموند” مجدداً عام 2012، حين اصدرت مؤسسة بريد كندا طابعاً بريدياً يحمل صورتها لتكون بذلك أول سيدة تظهر على طابع في كندا بعد الملكة إليزابيث الثانية.

وأخيراً تصدّرت العناوين من جديد حين أعلن وزير المالية الكندي “بيل مورنو” في السابع من كانون الثاني 2016، أن صورة “فيولا ديسموند” ستظهر على الاوراق النقدية من فئة عشرة دولارات في إطار إصدار مصرف كندا المركزي لأوراق نقدية جديدة في مناسبة مرور 150 عاماً على تأسيس الكونفدرالية الكندية.

وهي بذلك تصبح المرأة الكندية الاولى في التاريخ الكندي التي تظهر صورتها على ورقة نقدية.

فمن هي هذه السيدة التي شغلت المجتمع الكندي في منتصف القرن الماضي ولا يزال ذكراها يتررد حتى أيامنا هذه؟

viola-desmond

“فيولا ايرين ديسموند” المولودة دايفيس، سيدة أعمال ومدافعة عن الحقوق المدنية، ولدت في السادس من تموز 1914، في مدينة هاليفاكس في مقاطعة نوفا سكوشا الكندية، وتوفّت في السابع من شباط 1965 في ولاية نيويورك الاميركية.

ترعرعت في عائلة كبيرة مؤلفة من 11 ولداً.

إحتل والديها مركزاً مرموقاً في مجتمع السود في هاليفاكس؛ والدها، “جيمس ألبرت دايفيس”، متحدّر من طبقة متوسطة كان يعمل كمعالج ثم إمتهن الحلاقة، ووالدتها “غوندولين ايرين جونسون دايفيس” من عائلة تنتمي الى العرق الأبيض وإبنة قسّ في كنيسة نيو هايفن في ولاية كونكتيكت الاميركية.

رغم ان الإختلاط العرقي لم يكن نادراً في القرن العشرين في مدينة هاليفاكس إلا أن الزيجات المختلطة على غرار زواج أهل فيولا، ظلّت محدودة.

وتدريجاً، تقبّل مجتمع السود والديها اللذين اصبحا عضوين بارزين فيه وناشطين في عدة منظمات اجتماعية.

تأثرت الصبية بعمل والديها المضني وبمشاركتهما في قضايا اجتماعية عديدة، فقررت أن تشقّ طريقها بنفسها وأن تحقق نجاحاً في مجال الأعمال المستقلة.

وبعدما علّمت في مدرستين مخصصتين للسود، انخرطت في برنامج يدرّس التجميل في معهد فيلد بيوتي في مونتريال، وهو أحد المعاهد القليلة التي كانت تستقبل طلاباً سوداً في تلك الفترة.

بعدها تابعت دراستها في اتلانتك سيتي في نيويورك من ثم افتتحت ستديو Vi للتجميل في هاليفاكس تلبيةً للطلب المتزايد في اوساط السود في تلك المدينة.

0dd58078-c912-48e6-b1b4-a7b6f9e53bf5

سيدة أعمال وقائدة إجتماعية

في بداية القرن العشرين، ومع ظهور التسريحات الجديدة وتزايد الإقبال على المستحضرات الخاصة بعناية الشعر، بالإضافة الى الاهتمام بالمظهر والطلّة التي تساعد النساء في خوض الحياة العملية بثقة، أصبحت صالونات التجميل مراكزاً للعلاقات الاجتماعية في أوساط السود رفعت مالكاتها الى مصافٍ اجتماعية عالية وسمحت لهنّ بممارسة نوع من السلطة.

من هنا، طبقت شهرة “فيولا ديسموند” افاق المدينة بسرعة كبيرة وافتتحت مدرسة لتعليم فنون التجميل عُرفت بإسم معهد ديسموند للثقافة الجمالية.

ووسّعت نشاط مؤسستها ليغظي المقاطعة كاملة وابتكرت مجموعة مستحضرات تجميل عمدت الى بيعها في صالونات من تخرّجن من معهدها.

وإذ كانت مدركةً لواجباتها تجاه المجتمع، قدّمت ديسموند دورات تدريبية هدفت الى اعطاء النساء من العرق الأسود أفاقاً جديدة على صعيد الحياة المهنية.

وعرف المعهد ارتفاعاً سريعاً في عدد الطالبات اللواتي وفدن اليها من مقاطعتي نيوبرونزويك وكيبيك وكانت تخرّج كل عام أكثر من 15 طالبة.

ورغم أن التمييز العنصري لم يكن متجذراً بين الكنديين إلا أنه كان من المعروف في مجتمع السود في كندا، ولاسيما في نوفا سكوشا، أن أعرافاً غير مكتوبة كانت تحدّ من حرية الشعب الأسود ولاسيما على صعيد النشاطات التي يحقّ له الانخراط بها او الاماكن التي يستطيع ارتيادها.

 سينما روزلاند

مساء الثامن من تشرين الثاني 1946، وفي طريقها الى إجتماع عمل في سيدني في نوفا سكوشا تعطّلت سيارة “فيولا ديسموند” مما اضطرها الى تمضية الليلة في نيو غلاسكو، حيث قررت الذهاب إلى السينما لتمضية الوقت فطلبت حجز مقعد أمامي إلا أن الموظفة حجزت لها مقعداً على الشرفة المخصصة للسود.

ورغم إعتراض ديسموند، رفضت العاملة تنفيذ طلبها فأصرّت الاولى على الجلوس في الصفوف الأمامية.

عندها تدخّل مدير الصالة “هنري ماكنيل” ليعلمها أن بإمكان الإدارة منع أي شخص غير مرغوب به من دخول السينما.

أدّت المواجهة بين الاثنين إلى طلب الشرطة واصيبت ديسموند في وركها وركبتها بعدما اضطر عنصر من الشرطة لسحبها خارج الصالة ووضعها في السجن.

وقد حافظت ديسموند طوال مدة توقيفها، على رباطة جأشها فجلست مستقيمة القامة كدليل على موقفها الفخور بنضالها.

المحاكمة

في الصباح التالي، مثلت “فيولا ديسموند” أمام المحكمة التي اتهمتها بمحاولة رشوة موظف حكومي بطلبها من مدير الصالة تقاضي فارق السعر بين بطاقة الشرفة التي اجبرتها عاملة الصندوق على شرائها وبين بطاقة الصفوف الأمامية حيث ارادت أن تجلس بدايةً.

تمّ تغريم ديسموند 26 دولاراً كان عليها دفعها لمدير الصالة الذي اتخذ صفة المدّعي كما لم يتمّ تبليغها عن حقها بتعيين محامي فوجدت نفسها بمفردها أمام القضاة.

ولم تتطرق أي مرحلة من مراحل المحاكمة الى مسألة التمييز العرقي، إلا أنه كان من البديهي أن سبب هذه المواجهة تعيين مقاعد الشرفة للسود والمقاعد الأمامية للبيض.

وهذا ما نفاه مدير الصالة “هنري ماكنيل” ردّاً على سؤال طرحته عليه صحيفة تورنتو دايلي ستار حينها، فتحجّج بأنه ما من قانون مكتوب حول تلك المسألة.

زوج “فيولا ديسموند”، جاك، الذي ترعرع في نيو غلاسكو لم يبدو متفاجئاً حين اطلعته زوجته على حادثة روزلاند، فطلب اليها أن تنسى ما جرى وترك الأمر لعدالة الله.

لكن معظم أفراد المجتمع الأسود لم يشاركوه الرأي وقرر أفراد رابطة نوفا سكوشا لتقدم الشعب الأسود جمع الأموال لتغطية تكاليف الاتهام الموجّه ضد ديسموند.

أما”كاري بيست”، مؤسسة جريدة ذي كلاريون، فقد منحت القضية اهتماماً استثنائياً إذ سبق وعاشت تجربة مماثلة قبل خمسة اعوام لكن محاولتها مقاضاة مدير صالة السينما انذاك باء بالفشل، فخصصت الصفحات الأولى من صحيفتها  لمتابعة قضية ديسموند.

6c4e23cf-09b1-494b-b99f-0eea6957d0ee

وعملاً بنصائح الطبيب الذي عالج اصاباتها من جراء اعتقالها، تواصلت “فيولا ديسموند” مع محامٍ في محاولة لعكس الإتهام.

وتشرح المؤرخة والقانونية “كونستانس باكهاوس” أنه في تلك الحقبة من التاريخ، لم يكن هنالك من إعتدال في الحياة القضائية العنصرية في كندا، وإذا اختلفت القرارات بين حالة وأخرى، تبقى ضرورة معالجة مبدأين أساسيين متناقضين: حرية التجارة وحق المرء بأن يكون محمياً ضد التمييز المرتكز على العرق، الدين واللون.

ولا يتغلّب أي مبدأ على الآخر.

ولم يحصل أن أخذت أي محكمة قراراً متعلقاً بالتفرقة أو بالتمييز العنصري في الفنادق ودور السينما والمطاعم.

بوسبب الغموض الذي كان يلف قضية ديسموند، قرر محاميها الأبيض، “فردريك بيسات”، ألا يتطرق إلى إنتهاك حقوق موكلته بما فيها حقوقها المدنية بالحصول على محاكمة عادلة مع تمثيل قانوني ملائم.

وطلب المحامي إقامة دعوة قضائية ضد “هنري ماكنيل” ودار سينما روزلاند وذلك في محاولة لإثبات أن ماكنيل افترى على ديسموند حين اجبرها على مغادرة دار السينما وسجنها.

إلا  أن الدعوة المدنية لم تأخذ مجراها ورفض القاضي الطعن بالمحكمة الأولى مما دفع بمحامي ديسموند إلى رفع القضية أمام المحكمة العليا التي رفضت بدورها طلب “فيولا ديسموند” في 20 كانون الثاني 1947، وقد علّل القاضي “ماينار براون أرشيبالد” ذلك بأنه كان يجب إستئناف قرار محكمة المقاطعة حين صدور الحكم.

وبما أن ذلك لم يتمّ ضمن مهلة عشرة أيام من صدور الحكم تكون المدعية قد فقدت حقها بالإستئناف.

رغم أن المحكمة لم تعطِ ديسموند حقّها إلا أن مساندة المجتمع المدني لها ساهم في إحداث تغيير بطيء إنما جذري أدّى الى الاعتراف بحقوق الفرد بغضّ النظر عن لونه.

وفي عام 1954، وبفضل “فيولا ديسموند” وأمثالها، تم القضاء نهائياً على التمييز العنصري في نوفا سكوشا.

علماً أنها دفعت ثمن النضال الذي قادته غالياً إذ انهار زواجها وقامت ببيع شركتها وانتقلت إلى مونتريال ومن بعدها إلى نيويورك حيث توفت في السابع من شباط 1965.

بعد مرور عقود على الحادثة، عادت قضية “فيولا ديسموند” إلى العلن، وذلك بفضل مساعي شقيقتها “واندا روبسون” التي قامت عام 2003، وكانت تبلغ حينها 73 عاماً، بالإنتساب إلى دورات تعليمية حول العلاقات العرقية في أميركا الشمالية في جامعة كاب بروتون مع البروفسور “غراهام رينولدز”.

وفي إحدى الحصص التدريسية، أتى رينولدز على ذكر حادثة “فيولا ديسموند” في سينما روزلاند، ما دفع بشقيقتها إلى التحدّث علناً عن الموضوع وساعدها رينولدز لاحقاً في نشر كتابٍ عام 2010 يروي قصة ديسموند كاملةً تحت عنوان “شقيقة الشجاعة”.

في 15 نيسان 2010، نالت ديسموند عفواً شاملاً من حاكم نوفا سكوشا “مايان فرنسيس” خلال احتفال أقيم في هاليفاكس.

وتزامن العفو مع اعتذار رسمي من رئيس الوزراء “داريل دكستر” الذي أقرّ أن الإتهامات التي وجّهت إلى ديسموند كانت خاطئة وكان يتوجب اسقاطها.

وفي الحفل الرسمي، أكّد وزير العلاقات بين أفريقيا ونوفا سكوشا والتنمية الاقتصادية والريفية “بيرسي باريس” أن هذا العفو هو إقرار بأخطاء الماضي، وأن التمييز والكره ليس لهما مكان في هذه المقاطعة.

أيضاً عام 2010، أطلقت جامعة كايب – بروتون كرسي بحث في العدالة الإجتماعية تحمل إسم “فيولا ديسموند”.

 وفي عام 2012، اصدرت مؤسسة بريد كندا طابعاً بريدياً يحمل صورة ديسموند لتكون بذلك أول سيدة تظهر على طابع بريدي في كندا بعد الملكة إليزابيث الثانية.

7abdf3b1-3830-4cc7-830f-c7028d67903f

وفي السابع من كانون الثاني 2016، أعلن وزير المالية الكندي “بيل مورنو” أن صورة “فايولا ديسموند” ستظهر على الاوراق النقدية الجديدة من فئة عشرة دولارات والتي ستوضع قيد التداول بدءاً من سنة 2018.

وكانت ديسموند واحدة من عدة سيدات طبعن التاريخ الكندي ورُشحت اسمائهن للمبادرة نفسها وعلى رأسهن الشاعرة “اي بولين جونسون”، المهندسة “اليزابيث (إلسي) ماكغيل”، الرياضية “فاني (بوبي) روزنفلت” والناشطة “ايدولا سان جان”.

وأكد مورنو أنه لم يكن من السهل الاختيار بين اسماء المرشّحات اللواتي وصلن الى المرحلة الاخيرة إلا ان الاختيار وقع على ديسموند نظراً الى جرأتها، قوتها، مثابرتها وعزّة نفسها.

(المصدر: الموسوعة الكندية – موسوعة تاريخ السود في كندا)

كافة الحقوق محفوظة لإذاعة الشرق الأوسط في كندا
Nizar Kabbani

Send this to friend