قد يتفّق المرء مع توجّهه السياسي أو لا يتفّق، إنما لا يختلف إثنان على تمايز شخصية “ستيفن هاربر” القيادية وبُعد نظره السياسي الذي عرف من خلاله كيف يقود الغرب الكندي الى الخريطة الفدرالية كنائب، ويعزز موقع كندا على الخريطة العالمية كرئيس وزراء، مطلقاً مدّاً تغييراً شمل تقليص الضرائب وتوسيع إحتياطات الجيش الكندي.

ومن عرفه شخصياً، أثنى على لباقته ودماثة أخلاقه وقدّر أسلوبه الراقي في التعامل بالاضافة الى شغفه، تفانيه، مثابرته، وثباته في كل يقوم به.

هو مثال المواطن الطموح الذي حوّل شعوره بالانتماء والمواطنية برنامجاً سياسياً أحدث تغييراً وخلّف إرثاً متيناُ.

فمن هو حقيقةً “ستيفن هاربر” وما الذي ميّزه كرجلٍ سياسي؟

ولد “ستيفن هاربر” في 30 نيسان 1959، في تورنتو، وهي أكبر مدن مقاطعة اونتاريو الكندية.

على هامش دراسته الثانوية،  إنضم إلى نادي الشباب التقدمي ما شكّل الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل السياسية.

وبعد تخرّجه عام 1978، إنتقل هاربر إلى مقاطعة ألبرتا حيث عمل لفترة وجيزة كمبرمج لأجهزة الكومبيوتر في شركة تعمل في مجال النفط لمدة ثلاث سنوات قبل أن يلتحق بجامعة كالغاري حيث حاز شهادة بكالوريا في الإقتصاد من جامعة كالغاري عام 1985 وماجيستر في المجال نفسه عام 1991.

في هذه الفترة، تسارعت خطواته الجدية في الحياة السياسية حين أصبح المساعد التنفيذي للنائب عن حزب المحافظين في كالغاري “جيم هاكس”.

ومع حلول عام 1986، أصيب هاربر بخيبة أمل من الواقع السياسي الكندي ولا سيما لجهة دور كندا الضعيف على الخريطة السياسية العالمية.

في العام نفسه، إستقال من عمله في صفوف هاكس وشارك عام 1987 في تأسيس حزب سياسي إشتراكي محافظ يجسد رؤيته ورؤية العديد من الناس، فكان حزب الإصلاح الكندي.

صعوده السياسي

متسلحاً بسيرة مهنية مرتكزة على السياسة والقدرة على تحليل الأبعاد السياسات العامة، تقدّم هاربر في صفوف حزب الاصلاح وإنتخب تحت لوائه في 25 تشرين الأول من عام 1993 كنائبٍ عن دائرة كالغاري ويست في مقاطعة ألبرتا.

وهو بذلك انتقم من النائب “جيم هاكس” الذي ترشّح ضده عام 1988 من دون أن يحالفه الحظّ.

في العام نفسه، تزوج “لورين تسكي” التي رزق منها بولدين، بنجامين وراشيل.

وفي كانون الثاني، وبعدما اعترض على التوجّه الشعبوي لزعيم حزب الإصلاح “برستون مانينغ”، قرر هاربر الاعتكاف وامتنع عن خوض إنتخابات 1997.

إثر ذلك، تولّى قيادة التحالف الوطني الذي كان عبارة عن مجموعة ضغط لليمين السياسي، بُنيَت على فلسفة يمينية كخفض الضرائب ورأسمالية السوق الحرة، كذلك كانت تعارض هذه المجموعة تجاوب الحكومة الكندية مع الحركة الانفصالية في كيبيك.

في خضم الأجواء الإيجابية التي سيطرت حينها على السياسة الكندية، إستقال هاربر من منصبه كرئيس للتحالف الوطني في صيف 2001 وسرعان ما أعلن ترشيحه لقيادة حزب التحالف الكندي، وريث حزب الاصلاح.

وعقب فوزه في 20 آذار 2002 برئاسة الحزب الجديد، توجّه هاربر بحزبه نحو الإنتخابات الفرعية فانتُخبَ في 13 ايار 2002 نائباً عن دائرة كالغاري سود ويست وبذلك أصبح زعيماً للمعارضة الرسمية في أوتاوا.

وطلب يومها هاربر من أعضاءالحزب مساعدته في توحيد الصفوف تحضيراً لتشكيل الحكومة المقبلة ووصف فوزه بالانتصار الكبير الذي تترتب عنه مسؤولية كبيرة.

وفي محاولة لمواجهة انشقاق اليمين في كندا، أطلق “ستيفن هاربر” في 16 تشرين الاول 2003 المحادثات مع الزعيم الجديد للحزب التقدمي المحافظ “بيتر ماكاي” بهدف دمج الحزبيين.

وبنتيجة مفاوضات شاقة وعسيرة، تمّ التوصّل الى توحيد الحزبيين في كانون الأول من العام نفسه، الامر الذ أدّى إلى ولادة حزب المحافظين في كندا.

ورغم ان معظم الاعضاء داخل الحزبين وقّعت على عملية الاندماج إلا أن البعض لم يتقبّل الفكرة وقرر البقاء في المقعد النيابي تحت اسم الحزب الذي انتُخب عنه.

يومها صرّح هاربر ان الانشقاق داخل صفوف حزب المحافظين شارف على نهايته وبأن سيوف الأخير ستكون مصوّبة بعد هذه المرحلة في اتجاه الليبراليين وليس في اتجاه الحزب نفسه.

في 20 آذار 2004،  خرج “ستيفن هاربر” منتصراً من السباق على زعامة حزب المحافظين الجديد بعدما تمكّن من الفوز بالدورة الاولى محققاً نسبة 55% من الاصوات ومتقدماً على الرئيسة والمديرة العامة السابقة لشركة ماغنا انترناشيونال “بيليندا ستروناك” التي حصلت على 35% من نسبة الاصوات مقابل 9% فقط ذهبت للوزير السابق في حكومة “مايك هاريس” في اونتاريو “طوني كليمنت”.

وفي الانتخابات العامة التي نُظّمت في 28 حزيران 2004، حصد حزب المحافظين 21 مقعداً اكثر من اجمالي المقاعد التي حصدها الحزبان المندمجان في انتخابات عام 2000، لكنّه رغم ذلك حلّ في المرتبة الثانية بعد الحزب الليبرالي الكندي بزعامة “بول مارتان”.

هاربر رئيساً للوزراء

في 23 كانون الثاني 2006، انتُخب “ستيفن هاربر” رئيساً للوزراء في كندا على رأس حكومة أقلية بعدما استطاع حزب المحافظين حصد 124 مقعداً نيابياً مقابل 103 مقاعد للحزب الليبرالي و51 مقعداً لحزب الكتلة الكيبيكية و29 مقعداً للحزب الديمقراطي الجديد ونائب واحد مستقل.

وبقسمه اليمين الدستورية في شباط 2006، أصبح هاربر رئيس وزراء كندا الثاني عشر، واضعاً بذلك حداً لحكم الليبراليين الذي دام 13 عاماً.

وقد أثبت في فترة حكمه، أنه مؤيد شرس لنظام الرأسمالية المبنية على سياسات عدم التدخل، الحكومة المصغرة ومبادئ الاشتراكية والمحافظة.

كذلك ركزت العقلية المحافظة  المتجددة لإدارة هاربر على تقليص الضرائب وتوسيع إحتياطات الجيش وتأمين مياه القطب الشمالي إذ أن موارد الطاقة التي تولدها غيّرت مسار الأزمة الإقتصادية الكندية عام 2008.

وفي السياسات الخارجية، عُرف هاربر بدعمه للنظام الإسرائيلي، فطوال أعوام ترؤس هاربر للحكومة الكندية كان يُعتبر الصديق الاقرب لاسرائيل يدعمها قولاً وفعلاً وفي المحافل الدولية.

وهو ادخل كندا في الحرب على الإرهاب في أفغانستان.

أما في الداخل، فطبّق هاربر نهج التشدد في مكافحة الجريمة وزاد نسبة تمويل نظام السجون.

في اذار 2011،  أُتهمت إدارة هاربر بإزدراء مجلس النواب بعد حجبها معلومات مالية متعلقة بنشاطاتها، ودُعي إلى إنتخابات عامة في الثاني من ايار.

وقد جاء إنتصار هاربر بحكومة أكثرية (166 مقعد) ليعزز موقعه السياسي فيصبح أقوى مما كان عليه قبل خوض الإنتخابات القسرية.

على واقع هذا التأييد، تابعت حكومة هاربر جهودها لتقليص حجم الحكومة وادخلت القانون المثير للجدل حول تفعيل المراقبة المحلية وسط تزايد المخاوف بشأن الإرهاب.

كذلك انسحبت الحكومة من إتفاق كيوتو، واختارت أن تتبنى سياسات متساهلة حيال الشأن البيئي، وهو أمرٌ جعلها عرضة لانتقادات لاذعة من الجمعيات المعنية بحماية البيئة.

إنتخابات 2015

وسط فضيحة إحتيال طالت أحد أعضاء حكومته وغضب شعبي تنامى تجاه هاربر الذي منع إمرأة من ارتدء النقاب في حفل للمواطنة، تمكّن الليبرالي “جوستان ترودو” من الاطاحة بحكومة هاربر بعدما حاز الليبراليون 184 مقعداً في الإنتخابات الفدرالية  عام 2015.

إثر هزيمة حزبه في الإنتخابات، إستقال هاربر من قيادة حزب المحافظين وإحتفظ بمقعده النيابي في مجلس العموم.

وبعد عشرة أشهر، وتحديداً في ٢٦ آب 2016، أعلن “ستيفن هاربر” عزمه على ترك الحياة السياسية التي أمضى فيها 18 سنة والإستقالة من منصبه كنائب عن غرب كالغاري.

هاربر بكلمات

لا جدل على أن “ستيفن هاربر” حقق إنجازات عدة على طول مسيرته المهنية والسياسية؛ وقد تكلّل الكثير من مبادراته بالنجاح، في حين باء بعضها بالفشل.

وقد لُخص مسار هاربر السياسي بعشر كلمات كالآتي:

  1. الغرب

هي الكلمة التي ترمز إلى برنامج “ستيفن هاربر” السياسي، فقد تمكّن من تجسيد المشروع السياسي لحزب الاصلاح ومؤسسه “برستون مانينغ” لقائم على أخذ غرب كندا إلى اتاوا بقيادة حكومة أغلبية.
وبذلك، تراجعت بين عمي 2006 و2015 عزلة الغرب التي كانت قد اشتدت في ثمانينات القرن الماضي، حتى غابت في شكل كامل عن خطابات السياسية لممثلي ألبرتا.
ويعتبر المحللون هذه الخطوة  من أكبر النجاحات التي حققها “ستيفن هاربر”.

  1. كيبيك

كانت المعادلة في كيبيك مختلفة، فبعد الوعود بفدرالية إنفتاح عام 2006 والتعريف عن كيبيك بأنها “أمة في قلب كندا المتحدة” أمل المحافظون بالتوصل إلى توافق مع الكيبيكيين وبالتالي حصد أصوات إنتخابية أكثر والتمكّن من ضم 15 إلى 20 دائرة إنتخابية الى صفوفهم، بيد أن البرنامج السياسي الذي طرحه المحافظون جعل الناخبين الكيبيكيين يرفضون هذا الخط السياسي.

  1. اليمين

شكّل إندماج تياري اليمين عام 2000 أي التحالف الكندي والحزب التقدمي المحافظ، الإنجاز الأهم لهاربر، إذ كانت الأحزاب اليمينية مطلع العقد الماضي، منقسمة أشد إنقسام وبفضل رؤيته السياسية، تمكن هاربر من الفوز بثلاثة إنتخابات، وهي ظاهرة نادرة شهدتها الأحزاب المحافظة.
رغم هزيمة المحافظين عام 2015، ترك “ستيفن هاربر” وراءه حزباً قوياً وثابتاً.

  1. إعادة التموضع

أراد ستيفن هاربر أن يتخطى الكنديون النهج الليبرالي الذي ارتأى بأن يكون بلدهم وسيط نزيه وبلد القبعات الزرقاء.
هو أراده أن يكون دولة تدافع عن مصالحها، تشارك بالمهمات العسكرية مع أخذ مواقف واضحة وصارمة من المباحثات الدولية.
وقد بدا الأمر جلياً في معالجته الوضع الروسي ومعاهدة كيوتو.
ولكن، حتى ولو أن هذه التصرفات راقت للناخبين المحافظين، إلا أن أدّت في بعض المواقع الى تشويه صورة كندا أمام المجتمع الدولي.

  1. خط الأنابيب

فشل “ستيفن هاربر” بالسير قدماً في مشروع مدّ خط الأنابيب بعد مواجهات مع المدافعين عن البيئة والسكان الأصليين، الأمر الذي أدّى الى وقف المشروع.

  1. الدين

حين وصل “ستيفن هاربر” إلى سدة الحكم، كان موضوع تأثير التجمعات الدينية يهيمن على النقاشات، إلا أن هاربر أبقى هذا الأمر في الظل ولم يحقق المحافظون أي تقدم على جبهات تشريع الإجهاض وتعريف معنى العائلة التقليدية.

  1. مجلس الشيوخ

ومن الملفات التي فشل هاربر في معالجتها، ملف مجلس الشيوخ. فقد كان الإصلاح مع مجلس شيوخ أكثر تمثيلاً هو مطلب الطبقة السياسية في مقاطعة ألبرتا.
لكن وللأسف، لم يفشل الإصلاح فحسب بل أتت فضيحة “مايك دافي”، رغم تبرئته لاحقاً، لتشوّه سمعة مجلس الشيوخ.

  1. التوازن

كان هدف “ستيفن هاربر” الأول في الحكومة تحقيق ميزانية متوازنة.
إتهمه المحافظون المتشددون بأنه لم يعرف كيف يحدّ ميزانيات الدولة، والحق أن هؤلاء كانوا على صواب.

  1. الولايات المتحدة

أراد “ستيفن هاربر” عند إستلام الحكم إقامة علاقة إيجابية مع الولايات المتحدة إلا أن العلاقات باتت أكثر برودة، ولا شك أن رفض خط انابيب كيستون إكس إل، بعد أسابيع قليلة من هزيمة المحافظين في الانتخابات عام 2015، كان خير دليل على توتّر العلاقات بين الحكومتين.

  1. إسرائيل

نادرا ما إتخذ رئيس وزراء كندي موقف دفاعي عن إسرائيل.
فبعيداً عن دعم هذا البلد لاغراض انتخابية فقط، كان الدفاع عن هذا البلد يندرج في إطار رؤيته للتاريخ السياسي في القرن العشرين، بحيث أنه على الأنظمة الديمقراطية أن تحارب الأنظمة الديكتاتورية.
وبالنسبة الى “ستيفن هاربر” فإن إسرائيل هي البلد الوحيد الذي يقاوم الإسلام الراديكالي.

والى السجل السياسي الحافل، عُرف عن هاربر شغفه برياضة الهوكي، وهو في هذا الإطار، نشر عام 2013 كتاب “لعبة عظيمة: الأوراق المنسية وتطور لعبة الهوكي المحترفة” A Great Game: The Forgotten Leafs and the Rise of Professional Hockey.

كما كان يجيد عزف البيانو وغالباً ما شارك الفرق الموسيقية في العزف خلال إحتفالات الحزب المحافظ.

(المصادر: هيئة الإذاعة البريطانية، موقع بيوغرافي الالكتروني)

كافة الحقوق محفوظة لإذاعة الشرق الأوسط في كندا

Send this to friend