كيف استطاع ذلك الشاب الصغير ابن الـ36 عاماً أن يصبح رئيساً لوزراء كيبيك؟

وكيف تمكّن منذ اليوم الأول لتوليّه مهامه، من مواجهة الازمات، الاتهامات، الانتقادات، الخسارة والنفي ومن العودة ظافراً وتحقيق انجازات يذكرها التاريخ الكيبيكي؟

إنه “روبير بوراسا”، الشاب الحائز اجازة في القانون والاقتصاد، الاستاذ الجامعي والمستشار المالي لوزارة المالية الفدرالية الذي قرر ان يدخل المعترك السياسي من بابه العريض فترشّح الى انتخابات المقاطعة عام 1966.

وبعدما كان نائباً عن دائرة مرسييه لمدة أربعة اعوام، وصل بوراسا إلى زعامة الحزب الليبرالي PLQ فخلف “جان لوساج” ومن ثم انتُخبَ عام 1970، رئيساً للوزراء فكان الرئيس الأصغر سنّاً في تاريخ كيبيك.

ترافقت ولاية بوراسا الأولى مع أزمات كثيرة على غرار ازمة تشرين الاول 1970 وما واكبها من عمليات خطف إرهابية بلغت ذروتها مع اغتيال جبهة تحرير كيبيك لوزير العمل “بيار لابورت”، مما استدعى تدخلاً عسكرياً جعل من بوراسا محطّ انتقادات كثيرة لجهة اسلوبه في إدارة الازمة، فوُصف بالرجل الضعيف.

وبعد اجتيازه هذه الازمة، أطلق بوراسا العمل في مشروع خليج جيمس لتوليد الطاقة الكهرومائية العملاقة  والذي اعتبر أهم منشأة لإنتاج الكهرباء في أميركا الشمالية وقد شهدت هذه الفترة بناء سلسلة من السدود بالإضافة الى استثمار الطاقة في منطقة شاسعة من شمال كيبيك.

ورغم فوائده الاقتصادية، أغضب المشروع السكاّن الأصليين وأثار الكثير من الانتقادات لجهة تأثيراته البيئية والاجتماعية السلبية، بحسب المنتقدين.

توالت الصعوبات في فترة ولاية بوراسا الأولى، لكن أُعيد انتخابه عام 1973 بأغلبية ساحقة.

ومجدداً، اثارت قرارات حكومته الجدل، مع إصداره القانون 22، الذي نصّ على جعل الفرنسية اللغة الرسمية الوحيدة في كيبيك، وفرض قيودا على الالتحاق بالمدارس الإنجليزية محظّراً استخدام هذه اللغة في الاعلانات التجارية.

إن هذا القانون الذي تم لاحقاً الغاؤه جزئيا من قبل المحاكم نظراً لعدم دستوريته، استفزّ الملايين في كيبيك ممن يتحدثون الانكليزية وشكّل بداية الهجرة الطويلة لهولاء نحو مقاطعات اخرى.

مع حلول عام 1976، كانت الحكومة الليبرالية قد انهكتها السلطة ولاحقتها الفضائح والاتهامات بالمحسوبية والفساد، ففقد بوراسا انتخابات تلك السنة لصالح “رينيه ليفيك” والحزب الكيبيكي الذي شكّل أول حكومة انفصالية في المقاطعة.

من هنا، اتهمه الفدراليون بمنح السلطة الى الحزب الكيبيكي الانفصالي على طبق من فضة.

في الفترة تفسها، خسر بوراسا مقعده البرلماني، وإذ وُصف انذاك بأنه واحد من أكثر السياسيين المكروهين في كيبيك، اختار الرحيل موقتاً الى المنفى الذي مكث فيه تسعة أعوام مارس فيها التعليم الجامعي في أوروبا والولايات المتحدة، حيث لم يكشف عن هويته على ما يُروى.

وباعتباره مدافعاً شرساً عن  الفدرالية، عاد عام 1980 الى كيبيك لدعم كتلة “لا” في مناسبة اول حملة استفتاء عن السيادة.

وإذ وخلف “كلود ريان” في زعامة الحزب الليبرالي PLQعام 1983، وعد مواطنيه بتحسين الإدارة المالية العامة وبمزيد من التنمية المستدامة لجهة إمكانات الطاقة الكهرومائية من المقاطعة.

 عام 1985، وُصفَ فوزه في الانتخابات العامة رغم هزيمته الشخصية في دائرة برتراند، كأفضل عودة سياسية في التاريخ الكيبيكي، وقد سار بمسؤولياته بين ألغام عدة مثل المناقشات الصاخبة التي واكبت مفاوضات الترتيبات الدستورية والتي اطلق عليها ترتيبات بحيرة مييش بحيرة وترتيبات شارلوت تاون، بالإضافة إلى احتدام الجدل حول استخدام اللغة الفرنسية، ومن ثم فشل الترتيبات الدستورية، وأزمة الأميركيين في صيف عام 1990 بالاضافة الى التباطؤ الاقتصادي العام الذي أرخى بظلاله الثقيلة على ولاية بوراسا الثانية التي استمرت بين عامي 1989 و1993 حين اضطر رئيس الحكومة إلى مغادرة العمل الاقتصادي بعد إصابته بالسرطان.

خسر بوراسا المعركة ضد السرطان في الثاني من تشرين الاول 1996 فتوفي في مستشفى مونتريال.

ويروى انه قبل فترة وجيزة من وفاته، همس طبيبه في إذنه: “كيبيك تحبك!”، فسالت الدموع من عيني بوراسا.

وإثر اعلان وفاته، وصفه “بيار ترودو”، وهو أحد خصومه السياسيين الرئيسيين،بالرجل الشجاع الذي سعى دائماً إلى تحسين الوضع السياسي في مقاطعته.

بطاقة هوية

ولد بوراسا في مونتريال في 14 تموز 1933، من والدين ينتميّن الى الطبقة العاملة هما “أوبير بوراسا” و”ادريان كورفيل”. وترعرع في حي ذات أغلبية فرنكوفونية في شرق مونتريال.

تميّز كتلميذ في مدرسة “جان بريبوف” ولاحقاً في جامعة مونتريال حيث حاز عام 1956 ميدالية الحاكم العام.

تخرّج محامياً وطار في العام التالي إلى جامعة أكسفورد حيث درس الاقتصاد والعلوم السياسية  ومن ثم القانون المالي في جامعة هارفارد قبل عودته إلى كندا عام 1960.
في الاعوام العشرة التالية، شغل بوراسا منصب أستاذ اقتصاد وضرائب ومالية عامة في جامعات مختلفة بين أوتاوا ومونتريال.

كافة الحقوق محفوظة لإذاعة الشرق الأوسط في كندا
SuperMarché PA

Send this to friend